بعد دوام يوم متعب , ترفع رسغها المزين بساعة يدوية سوداء اللون , إنها الساعة الخامسة بعد العصر , و هذا هو موعد مغادرة المكتب و التوجه إلى بيتها المليء بالأسرار و الذكريات.
كانت أمل كلما أغلقت باب المكتب تتذكر أول يوم ولجت إليه , و في جعبتها أحلام كثيرة كبيرة و صغيرة و متوسطة , تتذكر كيف كانت حيوية الحياة تدب في أوصالها و هي تنتظر الغد المشرق و يوما أكثر سعادة من سابقيه . نزلت الدرج , أربعون درجة قد عدتها بل و أقامت علاقة خاصة بكل واحدة منها عند الصعود و أثناء النزول فهي لم تكن من محبي المصعد الآلي بعد الفوبيا التي اكتسبتها جراء أحداث مضت, , لتصل إلى باب البناية الحديدي المشبك و المزهو بزجاج ملون جذاب , فقد كانت البناية في حي راق جداً نظيف جداً تزينه الأشجار و البساتين , و يسكنه أناس متحضرون مهذبون و مرتبون, توجهت نحو السيارة و بخفة و سلاسة فتحت الباب و جلست داخلها استعدادا للقيادة , و استعدادا لبعض التنهدات العصبية من زحمة الطريق خصوصا في وقت العودة , و الذي يعد من بين أوقات الذروة.
و بعد خمس و عشرين دقيقة , وصلت إلى بيتها الذي سكنته منذ عشر سنوات , فتحت الباب و تذكرت كم من الأبواب فتحت و كم من الأحلام أغلقت , البيت مرتب و رائحة الديتول تفوح منه , كل شيء في مكانه , و يبدو أن الدادة فاطمة قد غادرت المنزل بعد أن أنهت كل أشغالها فيه , فقد كان هذا اتفاقها معها منذ أن تسلمت العمل عندها , جلست على الكنبة الموضوعة على شرفة الصالة تستجم و تمتع نظرها باخضرار المحمية الغابوية المقابلة للحي الذي تقطنه , و هي تحاول استرجاع شريط يومها بأكمله , ما كان يجب أن تفعله و لم تفعله , و ما لم تكن قد حسبت حسابه فقدر لها و فعلته و و و.. , ثم توجهت إلى المطبخ لتعد إبريق القهوة السوداء المفضلة لديها في هذا الوقت , و تخلصت من لباس العمل الذي يشبه المربع , له زوايا قائمة تجعل شكلها مستقيما طوال اليوم , وارتدت منامة زهرية اللون لينة الملمس تشبه الدائرة فلا زوايا لديها تكبل الحركة.
و تعود إلى جو الشرفة مرة أخرى , لكنها الآن على شرفة غرفة نومها , و التي تطل على شارع عريض لا يخلو من العربات الذاهبة و الآيبة , تحتسي فنجان قهوتها الزاكي و تمارس عادتها اليومية , عادتها هذه لم تكن هواية تحبها النفس , و لا تسلية تروح بها عن تعب اليوم , و لا حتى بكاءاً يخفف الجرح , عادتها كانت من نوع آخر , عادتها كانت تأنيب الضمير المستمر ,لا يكاد يفارق ذهنها , أو يحرر روحها المعذبة...
يتبع إن شاء الله
إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
الجمعة، فبراير 27، 2009
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)

